يحيي بن حمزة العلوي اليمني

165

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

البيضاء ، والطريقة المثلى قال : كأن الهام في الهيجا عيون * وقد طبعت سيوفك من رقاد وقد صغت الأسنّة من هموم * فما يخطرن إلا في فؤاد فانظر إلى هذه الاستعارة الرائقة التي أنافت على كل غاية ، وجاوزت في الحسن والديباجة كل نهاية ، ومن ذلك ما قاله : طوال الردينيات يقصفها دمى * وبيض السّريجيات يقطعها لحمي ومن ذلك ما قاله أيضا : أمضى إرادته « فسوف » له « قد » * واستقرب الأقصى « فثمّ » له « هنا » وارشق مما ذكرناه وأدق قوله : عقدت سنابكها عليها عثيرا * لو تبتغى عنقا عليه لأمكنا وأعجب من هذا وأدق ، ما قاله أيضا : كأنها تتلقاهم لتسلكهم * فالطعن يفتح في الأجواف ما تسع إلى غير ذلك من الرقائق الرائقة والعجائب الفائقة التي فاق فيها على نظرائه ، وسبق إلى غايتها قبل وصول شعرائه ومن وقف على حكمه وأمثاله ، عرف أن أحدا ممن كان في عصره لم ينسج على منواله . تنبيه اعلم أن من جملة الآداب الحسنة ، واللطائف المستحسنة ، أن تترك الخطاب لأهل المدائح بالأمر له بكذا وكذا ، وإنما تخرجه مخرج الاستفهام ، إعظاما للممدوح وإجلالا له ، عن أن يكون مأمورا ، وما حاله إذا فعل فإنه يكسب الكلام جمالا ويزيده أبّهة ويعطيه كمالا ، كما فعل البحتري في قصيدة أنشدها قال : فهل أنت يا بن الراشدين مختّمى * بياقوتة تبهى علىّ وتشرق ولو قال ختّمنى يا ابن الراشدين بياقوتة ، لم يكن في الرشاقة والإجلال للخليفة كالأول ، ومن هذا قول بعضهم يمدح بعض خلفاء بنى العباس : أمقبولة ، يا ابن الخلائف من فمي * لديك بوصفى غادة الشعر روده